صديق الحسيني القنوجي البخاري

525

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن ربيعة الجرشي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « تحفظوا من الأرض فإنها أمكم وأنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة » أخرجه الطبراني . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها متعلق بتحدث أو بنفس أخبارها والباء زائدة ، وقيل سببية أي بسبب إيحاء اللّه إليها ، قال الفراء تحدث أخبارها بوحي اللّه وإذنه لها ، واللام في لها بمعنى ( إلى ) وإنما أوثرت على ( إلى ) لموافقة الفواصل ، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى ، كذا قال أبو عبيدة . وقيل إن أوحى يتعدى باللام تارة وبإلى أخرى ، وقيل إن اللام على بابها من كونها العلة والموحى إليه محذوف وهو الملائكة ، والتقدير أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض أي لأجل ما يفعلون فيها ، والأول أولى . وقوله : يَوْمَئِذٍ إما بدل من يومئذ الذي قبله ، وإما منصوب بمقدر هو أذكر ، وإما منصوب بما بعده والمعنى يوم إذ يقع ما ذكر يَصْدُرُ النَّاسُ من قبورهم إلى موقف الحساب أَشْتاتاً أي متفرقين ، والصدر الرجوع ، وهو ضد الورود ، وقيل يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار ، وانتصاب أشتاتا على الحال والمعنى أن بعضهم آمن وبعضهم خائف ، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض ، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد ، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال مع تفرقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال . لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ متعلق بيصدر وقيل فيه تقديم وتأخير أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم يومئذ يصدر الناس أشتاتا ، قرأ الجمهور ليروا مبنيا للمفعول وهو من رؤية البصر أي ليريهم اللّه أعمالهم ، وقرىء مبنيا للفاعل والمعنى ليروا جزاء أعمالهم . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أي وزن نملة وهي أصغر ما يكون من النمل . قرأ الجمهور يره في الموضعين يضم الهاء وصلا وسكونها وقفا وقرأ هشام بسكونها وصلا ووقفا . وقرأ الجمهور أيضا مبنيا للفاعل في الموضعين ، وقرىء يراه على البناء للمفعول فيهما أي يريه اللّه إياه ، وقرىء يراه على توهم أن من موصولة أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة في الفعل . قال مقاتل : فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به ، وكذلك من يعمل مثقال ذرة في الدنيا شرا يره يوم القيامة فيسؤوه ، ومثل هذه الآية قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] .